صنعة الكتابة ... و"العلاقات"

عبد السلام بنعبد العالي

 

لو أن منظري الشعرية المعاصرة الذين ذهبوا إلى القول بـ «موت المؤلف» كلفوا أنفسهم عناء متابعة انشغالات معظم كتابنا العرب وما يبذلونه من جهود لـ «تأليف» كتبهم، لعدلوا عن نظريتهم، أو لأعادوا فيها النظر على الأقل. ذلك أن كتابنا اليوم قد ابتدعوا لأنفسهم وظائف تجعل حياتهم ضرورة لكل كتابة. فهم ليسوا مجرد «مؤلفين»، بل لهم وظائف أخرى لا تقل أهمية هي التي تحدد وجود الكتاب وقيمته ولغته ومكانته. فهم مديرو «علاقات عامة» وباحثون عن مترجمين، ومتصيدو جوائز، و قناصو إعلاميين ... هذه مهمات تكلف صاحبها من الوقت والعناء أضعاف ما تقتضيه متابعة الإنتاج الفكري والإبداع الأدبي. وهي تتطلب من الكاتب أن يكون مؤسسة متعددة الاختصاصات، ومقاولة تسهر على تأليف الكتاب ونشره وتثمينه وترجمته وتلخيصه وتفسيره وإقناع القارئ باقتنائه.

إنها تقتضي من الكاتب أن يكون محيطاً بجغرافية الجوائز الأدبية، على دراية بالمراكز التي تعلن عنها والهيئات التي ترصدها واللجان التي تسهر عليها والقيم المخصصة لها. ولا يخفى ما يتطلبه كل ذلك من حسن تدبير وسعة اطلاع وتطلع، و «مكارم» خلقية، ومهارات ذهنية و «لباقة» سلوكية.

ثم إنها تتطلب من الكاتب أن يكون على اتصال بجميع وسائل الاتصال، فيبحث عنها قبل أن تبحث عنه، إدراكاً منه أنها هي التي غدت «تؤلف» المؤلفين وتصنع الكتاب وتذيع صورهم، وتعرف بحياتهم و «أنشطتهم». بل إن بإمكانها أن تغني عن قراءة الكتاب نفسه فتجعله مقروءاً من غير أن يقرأ.

تأتي بعد كل هذا مهمة لا تقل عسراً عن سابقاتها حيث يكون على الكاتب البحث عن مترجمين ينقلونه إلى اللغات العالمية لا ليقرأ في جميع أنحاء العالم، بل ليؤكد لنفسه وذويه أنه دخل الثقافة العربية من باب واسع، وأن له أصواتاً هناك قبل أن يكون له صوت هنا، وأنه قد اعترف به «خارجاً» قبل أن يعترف هو بنفسه.

 

الحياة

28 مارس 2006

 

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية